
موفق محادينالصياد والبحر (12/5/2007) كان أخوالي يخرجون في رحلات صيد تستمر أياما وكانت لديهم كل أدوات الصيد من بنادق وبلطات ومواقد وخيم عسكرية, وكانت غلتهم في تلك الأيام الخوالي وافرة جدا من الشنانير والبط والثعالب والوحوش.. وقد رافقتهم مع أشقائي مرات عديدة وكنت صبيا وتعلمت منهم صبر الصياد ويقظته والأهم, فلسفته.. وأذكر عندما أخذني شقيقي الأكبر (توفيق) الى فيلم همنغواي "الشيخ والبحر" وكنت في السادسة عشرة من العمر, عشت مع سانتياغو كل مشاعره وقضيته كما ارتسمت في ذهني ذكرى الرحلات الأولى الى عين النمرة وحمامات ويدعا وعفرا وأقاصي الوديان السحيقة في جنوب الأردن.. وشاءت الأقدار أن أعيش أياما طوال أخرى بين وديان سحيقة في جنوب لبنان وكانت أجملها على الإطلاق أدغال العيشية الصغيرة التي تظلل الليطاني كأنها تخبئه عن الوحوش البشرية الشقراء من لواء جولاني اليهودي. وكانت فلسفة الصياد وصبره ويقظته حاضرة في كل الليالي الحالكة المخيفة التي أطبقت علينا في الاجتياح اليهودي للجنوب 1978 وحصدت عددا من الأصدقاء... وعلى ما في كل هذه الذكريات من مساحات خضراء تبللني بالندى كل صباح, الا أن فلسفة الصياد لم تحضر بقوة كما حضرت في المساحات الجرداء وغابات الاسمنت التي تخنق المدن العربية, واحدة بعد الأخرى كأنها طابور من المحكومين بالإعدام.. فلولا هذه الفلسفة لما نهضت بين ركام الأسئلة الخانقة.. ما الفائدةوما الذي يمكن إنتظاره, حتى صار مسرح العبث وغودو الذي لا يأتي وسيد ما بعد الحداثة الذي أتى ليعلن أن لا شيء في انتظار أحد. فالذين لم يعرفوا البراري قليلا ولم يطاردوا أو تطاردهم الفرائس سيعودون من حيث أتوا كلما أطبق السواد على عتبات أرواحهم.. وأيا كانوا فذاك مصيرهم أيا كان. وللذين يعدون موجات البحر والنجوم ويسألون آخر الأمر: ماذا بعد؟ أعيدهم الى فلسفة الصياد على لسان ريشنباخ هذه المرة: الصياد يرمي شباكه في البحر, فهو يعلم أنه إذا أراد ان يصطاد سمكا فعليه أن يفعل ذلك وحسب.. قد يفلح في المرة الأولى أو العاشرة أو الألف وقد لا يفلح كل العمر, لكنه لا يكف عن ذلك أبدا.. ولعل ريشنباخ أراد ان يعدل الجدل العقيم حول الانسان ان كان حيوانا ناطقا أم حالما أم مفكرا.. فالأدق ان يقال أنه صياد. أرشيف الكاتب |